Français
English
 
 

بعض الحقوق الثقافية الامازيغية قراءة في بعض القوانين الدولية و الوطنية - المغرب نموذجا-

مدخل

لقد بحث الانسان منذ القدم عن حياة رغيدة، فحاول الدود عن حقوقه بشكل فطري وضمني في كل ممارساته فبحث عن الماء و الاكل لضمان حق العيش، وصنع تراثا شفهيا من تقاليد و عادات وطقوس و ادب حرص على نقله الى ابنائه بكل امانة ...الخ، ولكن تطور الانسان جعلته يفكر في اخراجها من شكلها الضمني وإظهارها وتحديدها بدقة، فظهرت بذلك فلسفة الحق و الواجب ومع التطور ايضا وخروج الانسان من حالة الطبيعة الى حالة الدولة طفى على السطح مصطلح المواطنة كحلقة الربط بين الحق و الواجب داخل نسق الدولة.

ومما لاشك فيه ان السيرورة التاريخية هي من افرزت احداث ساهمت بشكل كبير في ظهور الحقوق على شكل دفعات وحسب الشروط الموضوعية لكل مرحلة، فظهرت الحقوق السياسية والاقتصادية وبعدها ظهرت الحقوق الاجتماعية لتتضح في الاخير ملامح الحقوق الثقافية التي اطلق عليها الجيل الثالث .

لكن بالرغم من ذلك يعتبر تحديد الحقوق الثقافية امرا مستعصيا نظرا لتداخل ما هو سياسي و ثقافي و اجتماعي و هذا راجع بالأساس الى صعوبة تحديد مفهوم الثقافة بدقة.

ساهم التطور البشري على كل الاصعدة من تحديد عدة حقوق الثقافية، ونظرا لضيق الوقت سنقتصر نحن في عرضنا هذا على مقاربة حقين ثقافيين كنموذج، يتضح من خلالهما نسبيا وضعية الحقوق الثقافية بصفة عامة و الامازيغية بصفة خاصة في العالم و في وطننا، لأنه كما يقول المثل "بالمثال يتضح المقال". في البداية سنعطي توطئة مفاهيمية، بعدها نقارب حق كل فرد في التراث الثقافي البشري، يليه الحق في اللغة الام، ونختم عرضنا بخلاصة.

A.  تحديد المفاهيم

قبل ان نغوص في عرضنا لابد ان نحدد المفاهيم المفاتيح التي يتأسس عليها عرضنا:

v   الحقوق الثقافية: "جملة الحقوق التي موضوعها حماية الهوية و النهوض بها"[1] كما تعرف على "انها جملة الحقوق الضامنة للنفاد الى الموارد الضرورية لعملية تحديد الهوية"[2] ونعرف نحن الحقوق الثقافية بانها ما يقابل الواجبات وبأنها كل الحقوق التي تكتسي طابعا ثقافيا، رغم صعوبة تحديد تعريف محدد للثقافة نظرا لتداخلها مع باقي المفاهيم وقد ظهرت عبارة الحقوق الثقافية و مفهومها في المواثيق الدولية الراجعة إلي العقد الرابع من القرن العشرين.

ومن امثلتها :

·       لكل شخص الحق في تعلم لغته الام و هو غير ملزم بالتحدث باي لغة اخرى لقضاء مصالحه.

·       لكل شخص الحق في المشاركة في حياة المجتمع الثقافية و في الاستمتاع بالفنون و الإسهام في التقدم العلمي وفي الاستفادة من الفوائد التي تنجم عنه.

·       لكل شخص الحق في حماية المصالح المعنوية و المادية المترتبة عن أي إنتاج علمي و أدبي و فني من صنعه.

·       ...الخ.

v   التراث  : يطلق لفظ على مجموع نتاج الحضارات السابقة التي يتم وراثتها من السلف إلى الخلف وهي نتاج تجارب الإنسان ورغباته وأحاسيسه سواء أكانت في ميادين العلم أو الفكر أو اللغة أو الأدب وليس ذلك فقط بل يمتد ليشمل جميع النواحي المادية والوجدانية للمجتمع من فلسفة ودين وفن وعمران… و تراث فلكلوري واقتصادي أيضا.

 

v   الحماية: تشمل جميع النواحي المتعلقة بحماية التراث التقافي بشكل يحافظ عليه من الاندثار وتشمل حمايته صيانته.

B.  الحق في التراث الثقافي

يمثل التراث الثقافي جانبا هاما من جوانب التاريخ والهوية كما يقول المثل " بقدر ما تعرف الجذور (التراث) تمتد الجسور"، ونظرا لأهميته في الحفاظ على الهوية البشرية بصفة عامة بوصفه ملك جماعي وحق لا يحق لاحد الاستئثار به او تدميرها فهو تلك الامانة الثقافية التي نساهم فيها ايجابيا ونحافظ عليها حتى نوصلها و ننقلها بأمانة الى الاجيال اللاحقة ومن خلال ذلك يمكن ان نقول انه جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان. لقد كان الاشكال المطروح بقوة هو اعطاء تعريف محدد جامع ومانع للتراث الثقافي.

وباعتبار التراث حقا من الحقوق الثقافية التي يتوجب الحفاظ عليها خصوصا مع توالي النكسات الثقافية التي سجلها التاريخ بأسباب الحروب الايديولوجية والعسكرية والثقافية ، نذكر على سبيل المثال تدمير تمثال بودا من طرف طالبان و تدمير معالم تاريخية في الثورة اللبية العسكرية. ترى الى أي حد ساهمت النكسات الثقافية في صناعة ترسانة قانونية دولية و وطنية.

1. اصناف التراث 

يمكن تقسيم التراث الى:

v   التراث اللامادي: ويقصد به مجموع الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف و المهارات وما يرتبط به من آلات وقطع و ومصنوعات وأماكن ثقافية و لغات.

وقد جاء في اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي على انه يتجلى في المجالات التالية:

§       التقاليد و أشكال التعبير الشفهي، بما في ذلك اللغة كواسطة للتعبير عن التراث الثقافي غير المادي؛

§       فنون و تقاليد أداء العروض؛

§       الممارسات الاجتماعية والطقوس و الاحتفالات؛

§       المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة و الكون؛

§       المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية.

v   التراث المادي: يتمثل في مجموع الاشياء الملوسة ذات الطابع الثقافي او التاريخي او الاثري وتظم:

§       جميع المباني التاريخية والمدن العتيقة و الأسوار و المواقع الأثرية.

§       التراث الثقافي المغمور بالمياه:  جميع آثار الوجود الإنساني التي تتسم بطابع ثقافي أو تاريخي أو أثري والتي ظلت مغمورة بالمياه جزئيا أو كليا، بصورة دورية أو متواصلة، لمدة مائة عام على الأقل مثل: 

ü    المواقع والهياكل والمباني والمصنوعات والرفات البشرية مع سياقها الأثري و الطبيعي

ü    السفن والطائرات وغيرها من وسائل النقل أو أي جزء منها أو حمولتها أو أي من محتوياتها مع سياقها الأثري والطبيعي، والأشياء التي تنتمي إلى عصر ما قبل التاريخ.

 

 

 

ويمكن ان نلخص ما تم ذكره في التعاريف في الجدول التالي، الذي ارتقينا تخصيصه في حالة التراث المغربي :

 

أنواع التراث

أمثلة

 

تراث مادي

التراث المبني

المدن العتيقة ( فأس ، مكناس...) المساجد المدارس ( جامع القرويين ، مدرسة العطارين بفاس..) القصبات القصور...

التراث الاركيولوجي

يتمثل في مختلف المواقع الأثرية ( وليلي ، تافوغالت...)

التراث المنقول

يتمثل في مختلف القطع الأثرية قطع نقدية ، آواني ، أسلحة ...

التراث المكتوب

الوثائق و المخطوطات القديمة

التراث المغمور بالمياه

قوارب الموت و ما يحمله المهاجرين المغاربة

 

تراث لا مادي

التراث المسموع

الروايات الشفوية، الحكايات الشعبية ...

العادات و التقاليد

الزواج التقليدي، المواسم الدينية...

الحرف التقليدية

صناعة الخزف ...

الفنون الشعبية

احواش ، احيدوس ..

2. نبدة تاريخية عن تنامي الوعي بالتراث على المستوى الدولي

اذا كانت الظاهرة هي السبب وراء ظهور علم قائم بذاته (مثال ظهور الديمغرافيا بعد التزايد السكاني) فان النكسات الثقافية هي من كان وراء ظهور وعي دولي بأهمية التراث. في هذه الفقرة سنحاول ان نعطي قراءة في الترسانة القانونية الدولية التي سخرها المجتمع الدولي لتلبية نداء استغاثة التراث البشري في كل بقاع العالم خاصة الدول النامية او بؤر التوتر. سنورد في ما يلي تسلسل كرنولوجي لبعض الاتفاقيات والتوصيات وكذا الاعلانات الدولية :

a.   الاتفاقيات

·       1950 اتفاق بشأن استيراد المواد التربوية و العلمية و الثقافية ("اتفاق فلورنسا") وبروتوكول نيروبي الملحق به في عام 1976؛

·       1952 الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف؛

·       1954 اتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح؛

·       1957 اتفاقية حول السكان الاصليين؛

·       1970 اتفاقية بشأن التدابير الواجب اتخاذها لحظر و منع استيراد و تصدير و نقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة؛

·       1972 اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي؛

·       1989 اتفاقية احترام التنوع الثقافي؛

·       2001 اتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه؛

·       2003 اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي؛

·       2005 اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التنوع الثقافي.

b.  التوصيات

·       1980 توصية بشأن أوضاع الفنان؛

·        1989 توصية بشأن صون الفولكلور؛

·       2003 توصية بشأن تعزيز التعدد اللغوي واستخدامه وتعميم الانتفاع بالمجال السيبرني. 

c.    الإعلانات

§       1966 إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي؛

§       1978 إعلان بشأن العنصر والتحيز العنصري؛

§       2001 إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي.

خلاصة

بعد هذه الجولة في الاتفاقيات و الاعلانات و التوصيات الدولية يمكن ان نستشف وعي المجتمع الدولي بأهمية التراث الذي عرف شرارته الاولى بعد الحرب العالمية التي سجلت وصمة عار للبشرية و خسارة مادية و ثقافية يندى لها الجبين، كما بينت الارادة الفعلية للحفاظ على هذا التراث.

ومن خلال قراءتها يتضح ايضا بأنها بدأت ترسم تعريف التراث الثقافي و تحدد مكوناته خصوصا وان ظروف كل فترة ساهمت في التفكير في الصنف المهدد و حمايته.

لكن يبقى الاشكال المطروح هو الى أي حد يتقيد المجتمع الدولي بحماية التراث خصوصا أن الاحداث الاخيرة سجلت تجاوزات و انتهاكات صارخة لحرمة التراث الثقافي بوصفه ملك للجميع، مثال تدمير مواقع تاريخية ابان الثورة اللبية و تهريب التراث المصري الى الخارج على مرأى ومسمع المجتمع الدولي. ومن هنا تنتابنا التساؤلات التالية: ترى ما موقع التراث في اهتمامات المجتمع الدولي بالنسبة لباقي الانشغالات الدولية (تخصيب اليورانيوم مثلا)؟ هل يمكن ان نقول ان القانون الوضعي عاجز امام القانون الطبيعي؟ او ان نقول ان واضع القانون هو اول من يخرقه ؟ ام ان القوانين لم تكن الا حقا اريد به باطل، أي صيغ بمقاربة تفريقية و أيدولوجية صرفة تخدم الأيديولوجيات الرامية الى تصنيف التراث الى راقي في مقابل تراث متخلف وتدمير المتخلف لحماية التراث الراقي و الرقي به اكثر.

ونورد في ما يلي مثال لتحرك المجتمع الدولي:

عندما التقى في عام 1982 خمسون وزيراً للثقافة، ووفود ذات مستوى عال في المكسيك، للتحاور حول السياسات الثقافية على مدى خمسة عشر يوماً، لما يمثله هذا اللقاء من أهمية خاصة فيما يتصل بموضوعنا. كان من أهم الموضوعات التي ناقشها المؤتمر ضرورة التوصل على حل المشكلات التي تواجهها الثقافة في العالم ومد جسور سليمة لتعاون ثقافي دولي يحفظ كل شعب ذاتيته ويثرى خبراته وتجاربه وضرورة التأكيد على التنمية الثقافية والعمل على إيجاد أفكار جديدة للارتقاء بها والحفاظ على التراث وتشجيع الخلف والابتكار وحركة التأليف والنشر ولقد أتاح المؤتمر لممثل الدول جميعاً فرصة استعراض خبراتهم المكتسبة فيما يتعلق بالسياسات والممارسات في مجال الثقافة. و درس المؤتمر عدة قضايا فكرية أساسية من أهمها الذاتية الثقافية، والثقافة والديمقراطية، وصون التراث الثقافي وتنميته، والتعاون الثقافي الدولي.

لا يمكن ان ننكر دور تحركات المجتمع الدولي في بعث الوعي بالتراث الثقافي وتحد#1610;ده و مساهمته في التحسيس بأهميته و حمايته بتخصيص ميزانيات لصيانته، وتبقى هذه المجهودات متواضعة وغير كافية امام اهمية التراث وقيمته التي لا تقدر بثمن.

بعد ان تعرفنا على النبذة التاريخية على المستوى الدولي سننتقل الى المستوى الوطني.

3. الوعي بالتراث الثقافي على المستوى الوطني

انخرط المغرب متأخرا شيء ما بعشرين سنة في قاطرة الدول التي حملت على عاتقها مسؤولية حماية و صيانة التراث الثقافي العالمي، معبرا عن ارادته الفعلية بالتوقيع على اتفاقية حماية التراث العالمي سنة 1975، وبذلك يعتبر المغرب عضوا ملزما بما جاءت به الاتفاقية وبالتالي يجب عليه:

·       تحديد و اقتراح الموقع و لوائح التراث المادي التي يمكن تسجيلها في التراث العالمي و إدراج المواقع المهددة.

·       الإيمان بأن حماية التراث الثقافي واجب أخلاقي على كل إنسان، ولكنها أيضا مسؤولية جماعية.

·       تسطير برامج فعالة لحماية التراث الثقافي و ضمان التمويل الكافي لإنجازها.

·       اعتماد تشريعات ملائمة لحماية التراث الثقافي و تقديم تفاصيل عن كيفية الحماية من الناحية القانونية للمجتمع الدولي.

·       صون التراث الثقافي غير المادي؛

·       احترام التراث الثقافي غير المادي للجماعات والمجموعات المعنية وللأفراد المعنيين؛

  • التوعية على الصعيد المحلي و الوطني والدولي بأهمية التراث الثقافي غير المادي وأهمية التقدير المتبادل لهذا التراث؛
  • اعتماد سياسة عامة تستهدف إبراز الدور الذي يؤديه التراث الثقافي غير المادي في المجتمع وإدماج صون هذا التراث في البرامج التخطيطية؛
  • تعيين أو إنشاء جهاز أو أكثر مختص بصون التراث الثقافي غير المادي الموجود في أراضيها؛ تشجيع إجراء دراسات علمية وتقنية وفنية، وكذلك منهجيات البحث من أجل الصون الفعال للتراث الثقافي غير المادي، ولا سيما التراث الثقافي غير المادي
    المعرض للخطر؛
  • اعتماد التدابير القانونية والتقنية والإدارية والمالية المناسبة من أجل ما يلي:
  • تيسير إنشاء أو تعزيز مؤسسات التدريب على إدارة التراث الثقافي غير المادي، وتيسير نقل هذا التراث من خلال المنتديات والأماكن المعدة لعرضه أو للتعبير عنه؛
  • ضمان الانتفاع بالتراث الثقافي غير المادي مع احترام الممارسات العرفية التي تحكم الانتفاع بجوانب محددة من هذا التراث؛
  • إنشاء مؤسسات مختصة بتوثيق التراث الثقافي غير المادي وتسهيل الاستفادة منها
  • التعاون الدولي والمساعدة الدولية:

يجوز منح المساعدة الدولية للأهداف التالية صون التراث المدرج في قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل إعداد قوائم حصر في السياق المقصود في المادتين 11 و 12 ؛(دعم البرامج والمشروعات والأنشطة التي تنفذ على الصعيد الوطني ودون الإقليمي والإقليمي وترمي إلى صون التراث إن المساعدة التي تمنحها اللجنة للدولة الطرف، والتي تنظم وفقاً للتوجيهات التنفيذية المذكورة في المادة 7 وللاتفاق المشار إليه في المادة 24 ، يمكن أن تتخذ الأشكال التالية :

أ) إجراء دراسات بشأن مختلف جوانب الصون؛

ب) توفير الخبراء والممارسين؛

ج) تدريب العاملين اللازمين؛

د) وضع تدابير تقنينية أو تدابير أخرى؛

ه) إنشاء وتشغيل البنى ا#1604;أساسية.

 

بعد التوقيع على بنود الاتفاقية يمكن نطرح التساؤلات التقويمية التالية:

هل هناك في المغرب إطار قانوني وهيئات و مؤسسات لحماية التراث الثقافي ؟ وان وجدت هذه القوانين فإلى أي حد تستجيب الى وضعية هذا التراث في المغرب؟ هل كانت هذه القوانين شاملة لكل اصناف التراث الثقافي ؟ هل خضعت هاته القوانين للتفعيل أم ضلت حبيسة الأوراق في دواليب الدولة؟

a.   الاطار القانوني في المغرب

بعد البحث و التنقيب توصلنا الى ان المغرب بعد توقيعه على الاتفاقية العالمية سن مجموعة من القوانين التي ترمي الى حماية التراث الثقافي الوطني لا يسعنا ذكرها نظرا لكثرتها و خوفا من انزلاقنا نحو الجانب القانوني مبتعدين من الهدف الرئيسي للعرض، ويكفي الرجوع الى مرجع التشريعات القانونية حتى تتمكن من الاطلاع عليها، فقد عمل المغرب بدوره المتواضع علي حماية المأثر التاريخية والانسجة العتيقة عبر مسطرة التقيد.

ويبقى تطبيق القوانين دائما مرتبطا بمؤسسات وهيئات تسخرها الدولة لهذا الغرض، ومن خلال بحثنا توصلنا الى ان المغرب بدوره سخر مؤسسات و هيئات (المعهد الملكي للثقافة الامازيغية وزارة الثقافة وزارة الداخلية معهد الاثار...) كما سجلنا ايضا وجود فراغ في التشريعات و تداخل في مهمات المؤسسات يفتح المجال امام التهرب من المسؤولية.

يتبين من خلال الترسانة القانونية التي تم التنصيص عليها اولا انها لم تحدد تعريف محدد للتراث الثقافي بالمغرب وهذا راجع بالأساس الى تعامل الدولة مع الحقوق الثقافية على انها حقوق من الدرجة الثالثة أي انها كمالية و ثانوية وهذا ما نستشفه من موقعها في البرامج الحكومية للمغرب، كما ان عدم القيام ببحوث اكاديمية ترمي الى تحديد انواع التراث الثقافي في المغرب للوقوف على الوضعية الحقيقية التي يعيشها التراث الثقافي لدليل اخر على عدم جدية الدولة في التعامل مع الحقوق الثقافية بصفة عامة والتراث بصفة خاصة، كما لاحظنا عدم توخي المساوات في التشريعات بين كل مكونات التراث الثقافي، و توجيه الدعم نحو نوع محدد من انواع التراث المادي على حساب الاخرى دون مراعاة لحالة كل صنف، دعم تحكمه المصالح و الاهواء.

ان استمرار اندثار معالم تاريخية اما بعوامل التعرية او بالعوامل الأيدولوجية الرامية الى طمس معالم الحضارة الامازيغية لدليل صارخ على عدم وجود ارادة فعلية لحمايتها. نذكر على سبيل المثال استمرار اختفاء النقوش الصخرية و تدمير معالم تاريخية في المدن العتيقة لإنشاء مصالح اخرى في نظرهم اكثر اهمية مطبقين بذلك المبدأ الميكيافيلي ( الغية تبرر الوسيلة). ويكفي سماعنا في القنوات المغربية لأخبار عن تهدم مساجد و منازل في المدن العتيقة بفعل الامطار لوصمة عار فبعد ان تعامل معها المستعمر بسياسة الحماية جاءت دولة القرن الواحد والعشرين في ظل الاستقلال بسياسة التدمير.

 

و يمكن ان نسجل التجاوزات التالية كأمثلة على سبيل الذكر لا الحصر:

 

v   النكور" تعرض موقع حاضرة’ النكورالإتلاف بعد تشيد سد الزعيم محمد بن عبد لكريم الخطابي و نخص بالذكر’مدينة المزمة’ و مدينة بادس الأثرية والتي مازلت إلى الآن تفتقر إلي تحديد طبوغرافيا لمدارها الحضاري"[3]

 

v   قصبة غيلان بطنجة : « اشغال بناء مسبح خصوصي فوق موقع قلعة غيلان التاريخي الذي يعتبر من المعاقل التاريخية بالمدينة و التي تعود إلى القرن السابع عشر فقد منحت رخصة بهذا الشأن   بتاريخ 07/ 2008 من أجل  إنشاء مسبح خصوصي في نفس الموقع الأثري دون مراعاة خصوصيات الموقع، ، مما يهدد بإعدام واندثار آثار الموقع»[4].

 

v   دعم الملحون في مقابل اقصاء احواش و احيدوس من المشاركة في بعض التظاهرات الوطنية (موازين، التسامح) وحرمانه من اي دعم او برنامج للحفاظ عليه.

v   فتح السوق امام السلع الصينية ادى الى محاربة الحرف التقليدية رغم جهود الدولة (وزارة الثقافة و وزارة الصناعة) المتمثلة في عدة اجراءات مثل اعادة احيائها بالتوعية والتحسيس و منع تصدير الجلود...الخ.

وتبقى كل هذه المجهودات المبذولة جد متواضعة بل تحيل في بعص الاحيان الى تناقض بين السياسات وهو ما يفسر بالضرورة تجذر الأيدولوجية العروبية الرامية الى طمس المعالم الامازيغية بتقسيم التراث الى نافع و غير نافع وكذا #1578;جذر فكر اعتبار الحقوق الثقافية ضمن الكماليات، وهنا خطورة الامر كيف نبني مجتمع بدون هوية يتمتع بحقوق اقتصادية و اجتماعية، اية سياسة حقوقية يجب ان تتعامل مع الحقوق بشكل متوازي وليس بمبدأ الاولويات. فالمثل الامازيغي "اد تمت تمدّا اولا تتشا تاوكا" (ان يموت النسر جوعا خيرا له من ان يتناول الدود" لدليل قاطع على ان الانسان الامازيغي يلي الحقوق الثقافية اهمية كبرى بل و تتجاوز باقي الحقوق.

C. الحق في اللغة الام

نورد في ما يلي بعض الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها المغرب و التي كان لها الاثر الكبير في تحول السياسة اللغوية في البلاد:

·       خصصت اتفاقية سنة 1966 المواد 13- 14- 15 للحقوق الثقافية وقد تركز الحق في التربية و التعليم في المادة 13 بشكل خاص، بحيث تقر الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بحق كل فرد في التربية و التعليم وهي متفقة على وجوب توجيه التربية و التعليم إلي الإنماء الكامل للشخصية الإنسانية و الإحساس بكرامتها و إلى توطيد احترام حقوق الإنسان و الحريات الأساسية.

·       1957 اتفاقية حول السكان الاصليين؛

·       1989 اتفاقية احترام التنوع الثقافي؛

بعد التوقيع على هذه الاتفاقيات و مع تزايد الضغط من طرف الفعاليات المدنية بالحق في تعلم اللغة الام و الاعتراف بها كلغة رسمية، قطعت اللغة الامازيغية اشواطا مهمة غير ان ادراج اللغة الامازيغية من طرف منظمة اليونسكو في اللغات التي سوف تندثر في 2050 ان لم تق الدول التي تتواجد بها بتغيير لسياستها تجاهها.

سنعطي في ما يلي المراحل الاساسية التي مرت منها اللغة الامازيغية:

المرحلة الاولى : اللغة الامازيغية الام (pan-amazigh) لغة بلاد تامزغا (شمال افريقيا و الصحراء).

المرحلة الثانية: الاستعمار العربي لشمال افريقيا و انتشار اللغة العربية، رغم كل ذلك ضلت اللغة الامازيغية حاضرة و بقوة حتى في التدريس في المدارس الدينية العتيقة و هو ما يفسر تشبت اللغة بموطنها و تشبت السكان بها بطابعهم المحافظ.

المرحلة الثالثة: ظهور الاستعمار الفرنسي و توالي البحث في اللغة الامازيغية و اعطاءها مكانتها بفتح تدريسها و مشروعية ممارستها غي المحاكم العرفية عبر الظهير المسمى بالبربري.

المرحلة الرابعة: بعد الاستقلال ونظرا لتأثر بعض النخب المثقفة بالقومية العربية و الممتلكة لدواليب السلطة جعلت اللغة الامازيغية تتراجع و وتصنف في المحظورات التي تبعث التفرقة في البلاد و جاء في هذه المرحلة تعريب التعليم و كانت بمثابة مسمار دق في نعش اللغة الامازيغية .

المرحلة الخامسة: مع تزايد الوعي باللغة و الهوية الأمازيغية تعالت الاصوات المنددة بالوضع فعرفت هذه المرحلة نقلة نوعية من ادماج اللغة الامازيغية كلغة استئناس في ميثاق التربية والتكوين لسنة 1999 الى ادماجها كلغة مستقلة سنة 2003 و بعدها الى لغة رسمية في دستور2011 بقوانين تنظيمية لم تخرج بعد الى الوجود، كما ظهرت على المستوى الاعلامي قناة تامازيغت كقناة خاصة بها.

لكن رغم الطابع الارتياحي الذي تتسم المرحلة الخامسة فإن الامر لازال لم يتجاوز مرحلة الخطر، فبداية الدستور ضم قوانين تنظيمية لم تحدد بعد وهو عامل لربح الوقت و يجعل دسترة اللغة في السراب اذا كان قد غير على الورق شيئا فعلى ارض الواقع لم تتغير اي شيء.

اما على مستوى التعليم فإن ادماج اللغة الامازيغية في الجامعات و المدارس الابتدائية على المستوى الوطني لدليل قاطع على ارادة الدولة بالنهوض بهذه اللغة، لكن بعض التجاوزات المسجلة التي يدعمها الفراغ القانوني الذي يخدم اللغات الاخرى، و يحمي المنتهكين لحرمتها في عهد دولة دستور ربط المسؤولية بالمحاسبة، نذكر على سبيل المثال:

- على مستوى القضاء وفي ضل الدستور الجديد صدر اعلان لطلب توظيف مترجمين لم يتم ادراج مترجمين للغة الامازيغية فيها؛

- غياب اللغة في كل مراكز تكوين المهن: الطب، القضاء، الشرطة، الهندسة...الخ؛

- استمرار العنف اللفظي " هضر بالعربية " و الرمزي في الادارات و المستشفيات الوطنية؛

-" تسجيل جمعية زيري للثقافة والتنمية بوجدة لمعطيات تندر بفشل مشروع تدريس اللغة الامازيغية في المدارس العمومية في مهده"[5]، وهو ما لمسناه ايضا من خلال:

تضارب صارخ لما جاء في الاتفاقيات و المذكرات في ادماج اللغة الامازيغية افقيا وعمودي في كل الاسلاك وما على ارض الواقع؛

تكليف اطر غير كفؤة لتدريس الامازيغية وهو ما حدث في الموسم الحالي 2013-2014

استفادة اساتذة غير ناطقين باللغة الامازيغية من تكوينات في الامازيغية و هو ما يتعارض مع ما جاء في الاتفاقية المبرمة بين وزارة التربية الوطنية و المعهد الملكي للغة الامازيغية.

التضحية بأساتذة اللغة الامازيغية لصالح اللغات الاخرى ما حدث في الدار البيضاء في عهد الدستور الجديد.

الغلاف الزمني المخصص للغة الامازيغية (ثلاث ساعات في الاسبوع)في المدارس الابتدائية غير كافي بتاتا و لم يصغ باحترام مبدأ المسواة بين اللغات الاخرى المدرسة بل يكرس مبدأ الا مساواة و الاحتقار.

غياب تدريس هذه اللغة في معظم المدارس الوطنية وهو ما يتعارض مع الاحصائيات الخيالية التي تقدمها الوزارة المعنية،

 

بالرغم من كل هذا فقد سجلت سياسة الدولة عبر مؤسساتها نقط ايجابية تتمثل معظمها في اعادة الى حد ما الاعتبار للغة الامازيغية، كما سجل لصالحها ايضا خروج الكتاب المدرسي الى حيز الوجود، و كذا تدريسها في بعض المدارس خاصة الحضرية، و تكوين اساتذة متخصصين في اللغة الامازيغية و لعل استفادة التجربة الليبية من الخبرة المغربية في المجال لدليل على اعترافها بقطعنا اشواط لازالت متواضعة امام دق اليونيسكو خطر اندثارها.

 

 

 

خلاصة


لابد لكل عرض من مقدمة يفتتح بها الموضوع ومن خلاصة تحمل عصارة و زبدة العرض، وخلاصتنا هنا حاولنا تلخيصها في النقط التالية:

 

v   المغرب لازال يعتبر الحقوق الثقافية ككماليات؛

v   المغرب شيد اللبنة الاولى لبعض هذه الحقوق لكن عليه التأكد من مدى متانة القاعدة القانونية التي اسست عليها؛

v   يغيب المغرب دائما جانب التوعية لان القوانين الزجرية وحدها لا تكفي؛

v   يجب علينا تربية النشأ وفق مقاربة الدور و الاحساس بالمسؤولية بدل مقاربة الحوف؛

v   ضرورة المساواة بين كل مكونات الفسيفساء المغربية؛ وحماية الحقوق الثقافية لكل مكون في ظل الديمقراطية؛

v   الدستور المغربي الجديد ضم الحقوق الثقافية بشكل اكثر وضوحا من سابقيه لكن لازالت هناك ثغرات تشوبه و تفتح باب التجاوزات؛

v   ضرورة تغيير الدولة لنظرتها للتراث الثقافي بوصفه مستهلك، لأنه قطاع منتج ادا تم استغلاله ايجابيا في مجال السياحة و في اطار الحكامة و التنمية المستدامة داخل مشروع الجهوية الموسعة؛

v   ضرورة تغيير النظرة الدونية للهوية و اللغة الامازيغية في المغرب.

 

 

 

 

 

نور الدين كنوي

 

 

 

 

      

المراجع المحال عليها

 

مراجع باللغة العربية

·        الشويبي أشرف و بلعربي عزالدين، قراءة في قانون 22,80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية و المناظر و الكتابات المنقوشة و التحف الفنية و العاديات

 

·        مصنف النصوص التشريعية، الجزء الأول، التراث المنقول، منشورات إدكل، الرباط، 2009، 196 صفحة .

 

·        كريم لحرش. الحكامة المحلية بالمغرب، مكتبة الطبعة الأولى،

·        طارق اليزيدي، السياسية العمومية، مرجع سابق،132.

 

  • الحسين الادريسي. الحقوقالثقافيةالأمازيغية التمثلاتوالحاجيات.

·        باتريس مايير. التنو عالثقافيوالحقوقالثقافية،مجلةالمعهدالعربيلحقوقالإنسان، تونس، 2003.

 

·        داني ل، تقريرحول ثيقة ﻷﻣﻢ ﻟﻤﺘﺤﺪة.

 

 

 



[1] الحسين الادريسي. الحقوقالثقافيةالأمازيغية التمثلاتوالحاجيات. ثقافات، 2010، صفحة 84.

[2]باتريس مايير. التنو عالثقافيوالحقوقالثقافية،مجلةالمعهدالعربيلحقوقالإنسان، تونس، 2003.

 

[3] الحسين الادريسي. الحقوقالثقافيةالأمازيغية التمثلاتوالحاجيات. ثقافات، 2010، صفحة 84.

[4] الشويبي أشرف و بلعربي عزالدين، قراءة في قانون 22,80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية و المناظر و الكتابات المنقوشة و التحف الفنية و العاديات.

[5] الحسين الادريسي. الحقوقالثقافيةالأمازيغية التمثلاتوالحاجيات. ثقافات، 2010، صفحة 88.


الكاتب: نور الدين كنوي

بتاريخ : 2015-12-27 20:14:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 13682 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق i6822y9q هنا :    
 

 

 

 

   
   
   
   
   
 

 

 

مقالات اخرى


الامازيغ وعقوبة الاعدام
بتاريخ : 2020-09-15 21:59:00 ---- بقلم : الحسن اعبا









 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.